أهلاً أهلاً، خبر الغاء كليات جامعة الملك سعود، فاجئني وأشعل سؤال كان محور حديثي بكل جلسة تقريباً، وهو هل الجامعة تخرّج موظفين ولا مثقفين؟ وهل تجر هل ثانية وتتشعّب الأمور دائماً غرض السؤال، عموماً الله يحفظ لغتنا ويحسّن حالنا مهنياً ومعرفياً، واستشهد في بيت يقول:

ما بين غَمضةِ عَين وانتباهتها

             يُغيّر الله من حالٍ إلى حالِ

 وبعيداً عن منغصّات الحياة، أبروي لكم قصّة اختياري للتخصص...المتعة غير مضمونة والتفاصيل دائماً ناقصة...

 

مع بلوغي للمرحلة الثانوية، تنامى لدي حلم وظيفي عجيب، وهو رغبتي بوظيفة مختلفة في كل تفاصيلها، وظيفة بعيده عن الساعة 7 الصباح و2الظهر، بعيده عن الملل، طمع انساني طاغٍِ جداً، الى أن وقعت عيني على العمارة. كان ظهورها في حياتي مثل جبل يزيد طوله مع كل خطوه اتجاهه، قرأت وشاهدت، وعرفت فروعها الكثيرة، عمارة المنازل وعمارة المدن وتخطيطها الحضري، وشدّني فيها نموذج عمل أشبع طمعي، وهي أن تكون معماري في شركه خاصّه، كل عميل لك تجلس معه جلسة مطوّله بحيث تبني مخطط مفصّل على عاداته ويلبّي كل احتياجه. آنذاك فُتنت بمصطلح "استغلال المساحات" الى درجة أنّي أعدت كثيراً، مشاهدة حلقة من خواطر، زار فيها الشقيري منزل رجل ياباني تفرّد في استغلال مساحات منزله الذي لا يتجاوز طوله 100 متر! صار ميلان الإنارة يطربني وتفاصيل البيوت تستوقفني، على كل ٍ "معماري" كانت اجابتي التي أفخر بقولها، على سؤال "وش تبي تصير" كيف لا وأنا الذي حددت مستقبلي وفهمت نفسي...أو هذا ما ظننت...


حساباتي المنطقية تنص على أن دخولي الجامعة ممكن على أن تكون في أي مكان ماعدا الرياض، لغتي الانقليزيه بسيطة ومهاراتي في المواد العلمية عاديّه، فلو فرضنا انّي تجاوزت القدرات صدفةً، كيف سأنجو من التحصيلي؟ القدرات والتحصيلي والتخصص كانوا ضيوف دماغي الثقيلين، فزياراتهم مفاجئة وسهراتهم ثقيلة، ويأكلون كل شيئ بما فيه حق الضيف، كتب الله اجر كل من استضافهم يارب العالمين

 

بقدرة الله ثم التسريبات تجاوزت القدرات، ثم اتى عام الحسم، درست الفصل الأول من ثالث ثانوي وتركيزي كلّه مع التحصيلي في نهاية العام...وفجأة دارت الدنيا وانقلبت وعصف كورونا بالعالم أجمع. تحولت الدراسة عن بعد وبعد شد وجذب وحجر وفتح، خضت اختبار التحصيلي عن بعد، وبعدها بأيام قررت الجامعات خسف درجه التحصيلي في النسبة الموزونة، خُسفت الى درجه لا تأثير لها نهائياً، واستبدلوها بدرجتي القدرات والمدرسة.

أيام ويتحقق الحلم التاريخي بدخولي جامعة الملك سعود، في المسار العلمي...فصل دراسي عن بعد...مقررات بالانقليزية... تبع الفصل فصل آخر والمعدّل يهوي وأنا أسأل نفسي "وش الدبرة؟"...انتهى العام الدراسي، ورتبت رغباتي مع علمي اليقين انّي بعيد عن العمارة بعد المشرق عن المغرب... قُبلت في الرغبة السابعة، وأصبحت طالب رسّمي في كلية التغذية والزراعة...